الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

135

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا يصادم إيمانه ، ما دام قد دفعه بإرشاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سريعا كما في الحديث الشريف . وأىّ إنسان يستطيع أن يحمى نفسه خواطر السوء الهوجاء ، ورياح الهواجس الشنعاء ؟ إنما الواجب على المؤمن أن يحارب تلك الخواطر الرديئة بأسلحة العلم وتعاليم الشريعة ، ولا يستسلم لها ولا يسترسل معها . وعلينا أن نتعاون في هذا الميدان كما فعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأبىّ إذ ضرب في صدره ، ليصرفه بشدة عن الاشتغال بهذا الخاطر ، وليلفته بقوّة إلى ما قصه عليه علاجا لشبهته ، من أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، تهوينا على أمته وتيسيرا لها . ولقد نجح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا العلاج أيّما نجاح حتى قال أبىّ نفسه : « ففضت عرقا ، وكأنّى أنظر إلى اللّه عزّ وجلّ فرقا » . ذلك ما نراه مخلّصا في هذا المقام الذي زلّت فيه بعض الأقدام ، وللعلامة الشيخ محمد عبد اللّه دراز كلام جيد في مثل هذا الموضوع من كتابه المختار ، فارجع إليه إن أردت التوسّع ومزيد البيان . أضف إلى ما ذكرنا أن خصومة أبي بن كعب في أمر اختلاف القراءة على هذا النحو ، إنما كانت من قبل أن يعلم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فهو وقتئذ كان معذورا ، بدليل أنه لما علم بذلك ، واطمأنّت إليه نفسه ، عمل بما علم ، وكان مرجعا مهما من مراجع القرآن على اختلاف رواياته ، وكان من رواة هذا العلم للناس كما تلاحظه في الحديثين المسندين إليه بعد . ( 4 ) روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان عند أضاة بنى غفار . قال : « فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إنّ اللّه يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف . فقال : أسأل اللّه معافاته ومغفرته ؛ وإن أمتي لا تطيق